شرط الأخبار

خيال علمي.. ماذا عن الانتقال للعيش تحت الأرض؟

آخر تحديث: 2019-03-21، 06:03 am
اخبارنا ــ تتعرَّض الحياة على الكرة الأرضية لمخاطر من عدّة مصادر. ويبحث بعض العلماء عن طريقةٍ تمكِّن الإنسان من البقاء على قيد الحياة باللجوء إلى حلول تشبه الخيال العلمي. من هؤلاء عالِم الفيزياء الفلكية الشهير ستيفن هوكينغ، الذي أوصى قبل وفاته بالاستعداد خلال المئة سنة المقبلة للانتقال إلى كواكب أخرى. ولكنَّ واحداً من هذه الاقتراحات يقول بالانتقال للعيش تحت الأرض، خاصةً عند ارتفاع مستوى سطح البحر وتلوث الهواء وارتفاع درجات الحرارة.

هل سنضطر إلى أن نبني في المستقبل بدلاً من ناطحات السحاب، ناطحات جوف الأرض، وهل الحياة ممكنةٌ هناك؟ وهل نستطيع أن نتخطى كون الحضارة الإنسانية الحالية تقدّر المساحات المفتوحة والمناظر الرحبة؟ وهل تستطيع التكنولوجيا التعويض عن أشعة الشمس والنسيم العليل وكل ما نتمتع به فوق الأرض؟

قديماً، عاش البشر تحت الأرض لملايين السنين. وترك أسلافنا وراءهم في هذه الكهوف كثيراً من بصمات اليد وصور مشاهد الصيد ورسوم الحيوانات التي تعيش فوق الأرض. ولا يزال بعض الناس يعيشون حتى اليوم تحت الأرض. ففي تونس مثلاً، وتحديداً في منطقة مطماطة في جنوب البلاد، يعيش بعض البربر في كهوف تحت الأرض ويُطلق عليهم اسم "تروغلو دايت" باللغة البربرية المحلية أي سكان الكهوف. وهذه الكهوف هي منازل مبنية داخل الأرض، يتوسطها فناء دائري مركزي مفتوح على السماء. وقد اكتسبت هذه المنطقة شهرة عالمية عندما تم تمثيل مشهد من فِلْم "حرب النجوم" فيها عام 1977م.

جوف الأرض غني بالحياة

لا يخلو جوف الأرض من الحياة، كما هو الاعتقاد السائد. ففي عشرينيات القرن العشرين، اكتشف العالم الأمريكي تشارلز ليبمان أن هناك بكتيريا تعيش في جوف الأرض على عمق 550 متراً ضمن صخور الفحم، وهي في حالة بين الحياة والموت تدعى "الحياة المعلَّقة"، لعشرات ملايين السنين. وعندما وفَّر لها بعض الشروط في مختبره، استطاع إعادة تنشيط حياتها. ولكن بعض العلماء اتهمه في حينها بعدم التوازن العقلي، وتم تناسي الموضوع منذ ذلك الوقت.

بيد أنه في السنوات العشر الماضية، أظهرت أبحاث علميةٌ عديدة، نشرت في الدوريات العلمية المرموقة، صحة نتائج ليبمان. وجاء في مقال في عدد يناير 2019م من مجلة "ساينتيفيك أميريكان" أن "مرصد الكربون العميق (وهو مرصد دولي) أعلن حقيقة مدهشة، وهي أن كتلة الميكروبات التي تعيش تحت سطح الأرض يتراوح وزنها بين 15 و23 مليار طن من الكربون، وهي كمية تزيد بمقدار يتراوح بين 245 و385 مرة على كتلة الكربون لكل البشر. لم يكن الأمر كذلك منذ فترة طويلة، ولم نكن متأكدين حتى من أن الحياة في العمق ممكنة".

باستطاعتنا تأمين شروط الحياة

الفرق الكبير بين العيش على الأرض والعيش في الأرض هو ضوء الشمس. إذ إنَّ الأشعة فوق البنفسجية ضرورية لزراعة النباتات المنتجة للأغذية والمحفِّزة لإنتاج فيتامين د في الجسم البشري، كما أنها تعزِّز الجهاز المناعي، وتبقينا سعداء. لكن ليس بالضرورة أن يأتي ضوء الشمس من الشمس الفعلية، إذ يمكن لمصابيح الصمام الثنائي الباعث للضوء LED أن تقوم بذلك.

ويمكن إنشاء زراعة مائية تحت الأرض شبيهة بالتي فوقها. وهي أشبه بصناديق معدنية مغمورة بأضواء عالية الكثافة، وتغذى بالمياه الغنية بالمغذيات والمعاد تدويرها. كما يمكن تأمين فيتامين د من الأغذية الغنية به.

ولكن هناك مشكلة تتعلَّق بالنوم من دون أضواء كما جاء في بعض الاختبارات التي جرت سابقاً، وبينت أنه من دون أضواء، فإن سكان الكهوف ينامون لفترة قد تطول حتى 48 ساعة متواصلة. وفي هذه الحالة، يمكن استخدام أضواء اصطناعية خاصة تنظِّم إيقاع الساعة البيولوجية للإنسان، وتجعله ينام كما لو كان فوق الأرض.

ولمعالجة الوضع النفسي الجديد الناشئ، يمكن للتكنولوجيا الذكية والافتراضية تعويض الأضواء والمناظر الخضراء والأصوات والروائح فوق الأرض بتقنيات، هي إما بحوزتنا الآن، أو أننا على الطريق لحيازتها.

هل بدأنا فعلاً بالانتقال؟

في سنغافورة، توجد خطة حالياً لبناء مدينة تحت الأرض ذات أعمدة ممتدة تسحب ضوء النهار إلى أعماق الطبقات. وفي تقريرٍ لتلفزيون "بي بي سي"، أن خطة إنشاء متنزه تحت الأرض في مدينة نيويورك مدهشة إلى حد يخطف الأنفاس من خلال واحات مضاءة جيداً من أشجار النخيل وسراب السماء.

والحال أن كثيراً من المدن الحالية اليوم تنمو نزولاً في الأرض، مثل لندن ومدينة مكسيكو، بعد أن اتضحت محدودية التمدد أفقياً وعمودياً فوق الأرض. وتحافظ مدن كثيرة في شمالي الكرة الأرضية على أنفاق تحت الأرض، بعضها متقن للغاية، بحيث يطلق عليها "مدن الظل"، وذلك من أجل التعامـل مع فصول الشتاء القاسية. وفي مدينة بكين في الصين، يعيش حوالي مليون شخص في الملاجئ التي حفرت تحت شرايين المدن الحضرية للحماية من الأسلحة النووية.

والحال أن التكنولوجيا الحديثة ومواقع التواصل الاجتماعية، جعلتنا مسمرين أمام الشاشات طوال الوقت من دون أن يكون لدينا متسع من الوقت للعيش في العالم الواقعي. كما أن ناطحات السحاب الحالية هي مقفلة ومن دون شرفات، وهي لا تختلف كثيراً عما إذا كانت تحت الأرض من ناحية الانفتاح على المساحات الواسعة.

حسنات الحياة تحت الأرض

إن درجات الحرارة تحت الأرض هي أكثر استقراراً: فعلى عمق متر واحد تحت الأرض، تتقلَّب الحرارة يومياً حوالي 5 درجة مئوية فقط، ولكن عند عمق 5 أمتار يكون هذا التقلب أقل من درجة واحدة. علاوة على ذلك، إن درجات الحرارة داخل الكهوف تتراوح دائماً بين 17 درجة مئوية و23 درجة مئوية، وهي قريبةٌ جداً من نقطة الراحة الحرارية للجسـم البشري. على عكس الحرارة فوق الأرض، حيث تختلف بشكل كبير بسبب دوران الأرض وتأثير ضوء الشمس. وهذا يؤثر على مستويات الرطوبة، حيث إنَّ نسبتها داخل الكهف تبلغ حوالي %50، ويُعدُّ هذا صحياً أكثر من مكيف الهواء اليوم، الذي يميل إلى جعل الهواء جافاً.

وبما أن البناء هو تحت الأرض، يمكن الاستفادة من الطاقة الحرارية الجوفية. فبناء الدوائر الهيدروليكية من أجل الطاقة الحرارية الأرضية أمر بسيطٌ، ويستخدم اليوم بالفعل. كما يزداد تطورها ودمجها مع تقنية جديدة وصاعدة هي الطاقة الحرارية الهوائية، ويصبح بالإمكان تحسين مستوى كفاءة الطاقة بين %300 و%500.

والحياة في أعماق سطح الأرض محمية من الإشعاع الكوني بسبب الأتربة والماء والصخور التي تعيق الاختراق أكثر من عشرات الأمتار. بينما يغير هذا الإشعاع باطراد الحمض النووي للكائنات الحية على سطح الأرض.

ومن حسنات الناطحات تحت الأرض، خاصة الأسطوانية منها، أنها تقاوم الزلازل أفضل بكثير من ناطحات السحاب المعروفة.

تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ،
ويحتفظ موقع ' أخبارنا نت' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الإسم
عنوان التعليق
نص التعليق